ابن عربي

26

ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق

هذه الحالة لأنه قال : ما وسعني ؛ ولا يكون الفيح هنا من فاحت الجيفة تفيح فيحا وهي الرائحة الكريهة فإن هذه المقامات لا تليق بها وهذا أن النبات ريحها طيب فكأن المعنى يناقضه . ثم قال : فقلت للريح : سيري والحقي بهم * فانّهم عند ظلّ الأيك قطّان يقول : لما قال المسؤولون إن قيلولة أحبتي حيث كان عالم الأنفاس الشوقية لذلك قال : فقلت للريح . يقول : بعثت نفسا شوقيا من أنفاسي الحق بهم ليردهم إليّ والأيك : شجرة الأراك وهي مساويك يشير إلى مقام الطهارة ومرضاة الرب للخبر الوارد أنّ « السواك مطهرة للفم ومرضاة للرب » ، وقطان : مقيمون في راحة فإنّ الظل الراحة لا سيما ظلّ الأشجار والكنف فإنه من قعد في ظلك فهو في كنفك وبلّغيهم سلاما من أخي شجن * في قلبه من فراق القوم أشجان يقول : وأوصلي إليهم سلاما من قوله تعالى : وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً [ الفرقان : 63 ] مصدر ، يعني لا يعترض عليكم من أخ ذي شجن يقول : من صاحب حزن في قلبه من فراق القوم أشجان يقول : إنه في مقام التلوين « 1 » فكنّى عنه بالقلب من تقلبه في هذه الأحوال والأحزان التي في قلبه لفراقهم إنما هو من حيث أنه لم ير وجه الحق فيمن أعقبهم في محله حين لا يحس بفراق أصلا ، وإن كان لا يصح قبل هذا المقام لأنّ الحقائق تأباه وترد وجوده فإنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لي وقت لا يسعني فيه غير ربي » « 2 » ففرّق بين الأحوال وإن كان الحق مشهودا له في كل حال غير أنه لما كان حال شهود الذات أسنى الشهود وأحلاه وأعظم أثرا لذلك يقوم عنده وجه الحق فيما عدا هذا الشهود كما يقول : لو تعشق بالتعلقات الإلهية لكانت لذة شهود تعلق العلم أعلى من شهود تعلق القدرة لأنه أعم وتعلق القدرة أخص لأنّ محلها الممكنات لا غير . [ البيعة الإلهية وكشف الحجب لمن تعلق بالذات العلية لا لمن تعلق بجمال الأكوان ] وقال رضي اللّه عنه : وزاحمني عند استلامي أوانس * أتين إلى التّطواف معتجزات يقول : لما امتدت اليمين المقدسة إليّ لأبايعها البيعة الإلهية من قوله تعالى : إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ [ الفتح : 10 ] جاءت الأرواح الحافون من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ويطلبون يبايعونه هذه البيعة في هذه الحال التي أقمت فيها

--> ( 1 ) التلوين : صفة أرباب الأحوال ، فما دام العبد في الطريق فهو صاحب تلوين ، لأنه يرتقي من حال إلى حال ، وينتقل من وصف إلى وصف ، ويخرج من مرحل ويحصل في مربع فإذا وصل تمكّن . ( الرسالة القشيرية ص 78 ) . ( 2 ) أخرجه علي القاري في ( الأسرار المرفوعة 299 ) .